عبد الملك الجويني
173
الشامل في أصول الدين
انضمامه إليه ، فيقال للمفرق بين جوهرين : قد وجد كل واحد منهما وقد يراد بالتوحيد الإتيان بالفعل الواحد على التفريد . وقد يراد بالتوحيد اعتقاد الوحدانية ، وهو مراد المتكلم بإطلاق هذه اللفظة . وقد يريدون بهذا الاخبار عن التوحيد قولا مع عدم الاطلاع على اعتقاد القائل ، وكل ما ذكرناه تعرض للعبارات ، وتمهيد للمقدمات . والغرض من كتاب « التوحيد » إقامة الدلالة على وحدانية الإله ، وأنه لا إله سواه . ونحن الآن نخوض في المقصد ، ونقيم الدلالة الوحدانية ، ونوضح استقامتها على أصول أهل الحق ، واضطرابها على مذاهب مخالفيهم . القول في الدلالة على الوحدانية اعلموا وفقكم اللّه أن الأئمة سلكوا طرقا سديدة في الدلالة على إثبات الوحدانية ، وسنأتي على جميعها إن شاء اللّه ، ونوضح السديد منها والمدخول . والذي جرى الرسم بتقديمه دليل التمانع . ونحن نحرره إن شاء اللّه ، ونوضح بالأدلة أصوله ، ونقرر استقامته على أصول أهل الحق ، واضطرابه على أصول مخالفيهم . فأما وجه التحرير فهو أن نقول : لو أثبتنا إلهين قديمين ، حيين ، قادرين ؛ وأراد أحدهما حركة جوهر في وقت معين ، وأراد الثاني سكونه في ذلك الوقت ، وقصد كل واحد منهما إلى تنفيذ مراده ، فلا يخلو : إما أن يقدر حصول المرادين ، وإما أن يقدر انتفاؤهما ، وإما أن يقدر حصول أحدهما وانتفاء الآخر . فإن قدر حصول المرادين ، كان ذلك محالا ، ولزم من تقديره تجويز اجتماع الضدين . وإن قدر انتفاء المرادين ، كان ذلك محالا لاستحالة عرو الجوهر القابل للحركة والسكون عنهما ، وقد قررنا في صدر الكتاب استحالة ذلك . على أنه لو قدر امتناع المرادين ؛ لدل ذلك على نقص كل واحد من القديمين وخروجهما من الإلهية . وإن قدر نفوذ لمراد أحدهما دون الثاني ، فالذي نفذ مراده الغالب ، والذي لم ينفذ مراده مع قصده تنفيذه ؛ هو الممنوع الضعيف المهين ، والممنوع المنعوت بالنقص لا يستوجب صفة الإلهية ، فهذا سبيل [ تحرير ] الدلالة . ولكن الغرض منها لا يتضح على البسط والتقرير إلا بتقديم أصول وتقريرها ، ونحن إن شاء اللّه نذكر أصول هذه الدلالة أصلا إن شاء اللّه . فمن أصولها أن تعلموا أنا قدرنا قديمين ، قادرين ، مريدين ، فيجوز تقدير اختلافهما في الإرادة . ولو طالبنا مطالب فقال : بم تنكرون على من يزعم أنا نثبت قديمين ، ونمنع تصور اختلافهما ، ونصير إلى استحالة اختلاف إرادتي القديمين ، ونقول : يجب أن يريد كل واحد منهما ، ما يريده الآخر حتما واجبا ؟